حيدر حب الله

169

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

أن تتوافر معطيات جادّة لكلا الاحتمالين معاً ( الحسية والحدسية ) بحيث تُحدث شكاً والتباساً ودوراناً حقيقياً في الذهن العقلائي ، كأن يخبرك محلّل سياسي بخبرٍ ، وتكثر في أخبار هذا الشخص التحليلات السياسية لا المعلومات الخبرية ، بحيث إنّ خمسين بالمائة من إخباراته لنا كانت حدسية وتحليلية وليست خبرية حسية ، فهنا من أين نحرز أنّ العقلاء يبنون على حسيّة قوله عندما يلتفتون إلى هذا التردّد ويحصل لهم الشك الحقيقي ؟ ! هل حقّاً يفعّلون أصالة الحس أم يتوقّفون في أخباره إلى حين التبيّن ؟ هذا بالضبط هو ما حصل في علم الرجال بلا حاجة للإطالة هنا ، وأمّا ما ذكره السيد الصدر من الغلبة أو ادّعاء أنّ ظاهر الخبر هو الحسيّة فلا يجري هنا ؛ لأنّ الغلبة لا تقاوم حالة الشك الحقيقي ؛ إذ القوّة الاحتمالية في الغلبة معارضة بالقوّة الاحتمالية الموجودة في معطيات هذا الشك والدوران ، وإنما تنفع الغلبة حيث يكون الشك افتراضياً ، إذ يحصل منها الاطمئنان المتكوّن من عدم الالتفات ، وأما ادّعاء أنّ ظاهر الأخبار هو الحسيّة ، فهو صحيح بلحاظ مضمون الخبر ، لا بلحاظ كيفية حصول المخبِر عليه ، وإلا عاد إلى الغلبة ، وأما الحديث عن أنّ مقتضى وثاقة الراوي حسيّة خبره لوجود ظهور تصديقي في أنّ المتكلّم في الإخبارات التي من شأنه إدراكها بالحسّ ظاهر حاله أنه بداعي الإخبار عن حس ، فهذا غير واضح في الشك الحقيقي ، فإذا قلنا : إنّ علماء الرجال إخباراتهم حدسية هل يكون في ذلك طعنٌ في وثاقتهم عرفاً ؟ نعم في بعض الحالات التي لها قرائنها الخاصّة قد يحصل ذلك ، كما في حالة شهادة الشاهد في المحكمة ، فإنّ إدلاءه بالشهادة ضمن سياق محاكمة شخص آخر لا بدّ فيها من الحسيّة ، فاعتماده على الحدس فيه إخلال بالظهور الحالي ، ومن ثم خدش في وثاقته أو في صدقيّته